محمد متولي الشعراوي

1776

تفسير الشعراوى

لرجل من أصحابه : « قل نعم هو بيننا وبينك موعد » « 1 » ف « وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » . فما دمتم على الإيمان فأنتم الأعلون ، وإذا أردتم أن تعرفوا معنى « الأعلون » حقا ، فقارنوا معركة « أحد » بمعركة « بدر » ، هم قتلوا منكم في أحد ، وأنتم قتلتم منهم في بدر . ولكنكم أسرتم منهم في بدر ، ولم يأسروا منكم أحدا في « أحد » . وأنتم غنمتم في بدر ، ولم يغنموا شيئا في أحد . وأنتم الأعلون لأن اللّه حمى مدينتكم مع أنه لا حامية فيها ممن يكون فيه معنى الجندية . كل ذلك وأنتم الأعلون ، هذا إذا نظرنا إلى معركة بمعركة . وإن نظرنا إلى المعركة نفسها « أحد » وندع بدرا وحدها ، في ظل قوله تعالى : « وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » لقد ثبتت تلك القضية لأنكم حينما كنتم مؤمنين - ومن شرط الإيمان اتباع أمر الذي لا ينطق عن الهوى - انتصرتم . وانتصرتم انتصارا رائعا ؛ لأنكم قتلتم في أول جولة للحرب بضعا وعشرين من صناديدهم وفيهم صاحب الراية . ولكنكم حينما خالفتم أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، تلخلخ الإيمان في قلوبكم . إذن فالعملية التي حدثت تؤكد صدق « وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » . فأنتم علوتم في أول الأمر ، وعندما خالفتم الأمر صار لكم ما صار ؛ فقد صدقت القضية في قول اللّه : « وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » . وأيضا فإنكم لو نظرتم إلى المعركة نفسها لوجدتم أن عدوّكم لم يبق في أرض المعركة ، بل أنتم الذين بقيتم في موضع المعركة . وأين ذهب هو ؟ أذهب إلى موقع آخر ينال فيه غلبة ونصرا ؟ لم يكن هناك إلا المدينة ، والمدينة ليس فيها أحد ، ولم يذهب عدوكم إلى هناك ، وإنما ذهب ناحية مكة ، إذن فهو الذي هرب . وبعد ذلك ماذا حدث ؟ ألم يؤذن مؤذن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الناس ويطلب العدوّ مرهبا له ليظنوا به القوة ، وإن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم ؟

--> ( 1 ) رواه ابن إسحاق وأحمد والبخاري ومسلم .